-->
مجلة العربي الأدبية مجلة العربي الأدبية
recent

آخر الأخبار

recent
recent
جاري التحميل ...
recent

أ. عادل مناع .. مقال " الأديب الرافعي قلمٌ مدادهُ عشق "-مجلة العربي الأدبية



 الأديب "الرافعي"...قلمٌ مدادهُ عشق


كتب أ. عادل مناع :

رصيد هائلٌ، ذلك الذي أوجدته ثنائية العشق والقلم في قلب الأدب العربي، وجرى المألوف في هذا الدرب أن يسبق العشقُ القلم، فالكاتب أو الأديب أو الشاعر، تنتابه حالة وجدانية عاصفة من العشق، أو نظرة انفعالية للعشق ذاته دون تعلقه بشخص ما، ثم يستل قلمه ليسكب من فيض الشعور على تلك المساحة البيضاء.

بيد أن بعض الأدباء كانوا يختلقون العشق من أجل الحروف، يُعبِّئون بالغرام أقلامهم كمداد، فالعشق لديهم لا يأخذ ذلك الشكل البسيط المعتاد، بل هو لهم بمثابة زادٌ أدبيٌّ وفكريّ، لا يستطيعون الحياة بدون عشق، لأنهم لا يعيشون بلا أقلام.

الأديب مصطفى صادق الرافعي، ربما كان من تلك الثُّلة الأدبية التي تجسّد هذا الاستثناء، تعددت في حياته النساء ومحطات الحب، لا عن نزوةٍ أو عبث، فالرجل قد عرف عنه الاستقامة وأنه كان شخصية محافظة، لكن الحب في حياة الرافعي، كان نافذته إلى ارتقاء النفس وجنْيِ ثمرات العاطفة المتدفقة لإمداد طاقته التصويرية، وسبيلا لإشراقات الروح للعبور إلى اللامنظور في أثير الأدب، واستدرار معجزات البيان. 

كان الرافعي يبحث عن الحب لئلا يجف مداده، ولذا يذكر محمد سعيد العريان، التلميذ النجيب للرافعي والذي أُطلق عليه "كاتب وحي الرافعي"، أنه سمع أستاذه يقول لإحداهن ذات مرة: "تعالي نتحاب لأن في نفسي شعرًا أريد أن أنظمه"، وسمع إحداهن تقول له: "متى أراني في مجلسك مرة لتكتب عني رسالة في "ورقة ورد"؟ في إشارة إلى كتابه أوراق الورد.

أبرز محطات العشق في حياة الرافعي، كان حبه لفراشة الأدب، الأديبة مي زيادة، معشوقة الأدباء والشعراء أمثال جبران والعقاد وشوقي و ولي الدين يكن، وغيرهم.

على الرغم من كثرة من وقعوا في غرام ميّ، إلا أن الرافعي كان حالة فريدة بينهم، وكثيرا ما كتب عنها بصيغة "هي"، وكأنما يستبقي اسمها بين التصريح والتلويح، فما إن تُبدل الهاء ميمًا حتى يظهر اسمها، إليها انتهت محطات العشق في حياة الأديب، داهمه حبها بعدما تجاوز الأربعين، وكان يسافر من طنطا إلى القاهرة يوم الثلاثاء لحضور صالونها الثقافي الذي يضم لفيفا من أهل الأدب والشعر، أول من يحضر، وآخر من ينصرف، وبين إقبال وإدبار تُطلُق النظرات السائرة، والبوح الخفي، وعباراتٍ تدرك هي مغزاها، إلى جانب غيرة شديدة كان يجدها في نفسه إذا ما حادثت أديبًا أو شاعرًا بالمجلس سواه، كان أحدها سببًا في فراق دام آخر سنوات عمره، عززه صراع يدور رحاه في نفسه بين العشق والهيبة، وهو مع ذلك دائب الحنين إليها بلا انقطاع.

ولا يفوتني في هذا المقام أن أشير إلى العناء الذي كان يتكبده الرافعي في التواصل معها، إذ كان مصابًا في سمعه، بما يجعله في مصاف الصم أو يكاد.

أعقد فصول هذا العشق كانت في نفس الرافعي، عاش معظم فصول هذا الحب في حيّز نفسه، حتى كان يكتب إليها ويتخيل ردودها، وإذا ما قرأ مقالة لها على صفحات الجرائد تفحّص العبارات تستوقفه إحداها، وتوهّم أنها تقصده بعينه.

لقد كان عشقه لـ "مي" عشق روح لروح، يلتمس فيه معينًا للشعر والنثر وتهاويل الجمال، فإذا بالأنامل تجود بروائع التبيان من بعد سكون، ويسري ذلك المداد في عروق القلم السيال من بعد جمود.

من عجائب ما قرأت في هذا الشأن، ما حكاه تلميذه وصديقه "محمود أبو ريّة" في كتابه "مِن رسائل الرافعي"، نقلا عن أستاذه، أن الأخير قد اعترف له بأنه صارح زوجته بشأن حبه لـ "مي" حتى لا يمس حبه الطاهر أمانة الزوجية المقدسة.

 وأنا هنا لا أقيّم صنيع الأديب، بل أهتم لموقف الزوجة التي لم يُعلم عنها أنها قابلت الأمر بثورة لا تُلام عليها، وأسلط الضوء على مدى إدراكها لحقيقة الحب في حياة زوجها، إذ لا يمكن تأويل موقفها ذلك إلا أنه علم يقيني بأن الرافعي لا يعشق امرأة من جسد ولحم ودم، بل أمر يشبه البحث عن الذات، فهو أديب يصنعه العشق، ولا قوام لطاقته الإبداعية بغير أن يكون هائما في حالة عشق، الحب كان للرافعي يجري مجرى الوسائل لا الغايات.

ويصرّح هو بهذه الحقيقة التي ندور في فلكها بكتابه أوراق الورد، إذ يبوح بفلسفته في الوصال والهجر فيقول: "وما أريد من الحب إلا الفنّ، فإن جاء من الهجر فنٌّ فهو الحب".

 رحم الله الأديب الرافعي، كان فريدًا في أدبه، فريدًا في نظرته للحب، كان قلمًا مداده عشق.

 ا. عادل مناع 

جمهورية مصر العربية 

   مجلة العربي الأدبية 

ا. عادل مناع .. مقال " الأديب الرافعي قلمٌ مدادهُ عشق "


التعليقات



جميع الحقوق محفوظة

مجلة العربي الأدبية

2022